نهر العشار.. من العُشر إلى الهجر!
عبد الله السعد
27 تشرين الثاني 2025
كان نهر العشار رمزاً لهوية البصرة وجمالها، وممراً مائيّاً يتوسط المدينة، يتغنّى به الشعراء، وتكتظ على ضفافه مقاهي الأدب والحياة، لكنّه اليوم تحوّل إلى مجرى ملوّث.. عن العشار من العُشر إلى الهجر!
“فينيسيا الشرق”، تسمية أُطلقت على مدينة البصرة، لكثرة الأنهار التي تخترقها. البصرة، تلك المدينة التي تتربع على ضفاف شط العرب، الذي يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات في قضاء القرنة شمالي البصرة.
الأنهار والترع والسواقي التي تتفرع من شط العرب، ابتداءً من القرنة وصولاً إلى الفاو جنوبي البصرة، يقدر عددها بالآلاف، ومنها أنهار رئيسية مثل نهر الشافي، ونهر الماجدية، ونهر الرباط، ونهر الخندق، ونهر العشار، ونهر الخورة، ونهر السراجي، ونهر مهيجران، ونهر حمدان، ونهر الحمزة، ونهر أبي مغيرة، ونهر أبي الخصيب، ونهر أبو فلوس، التي يرتبط أغلبها ببعضها عبر قنوات مائية عرضية.
من بين أنهار البصرة الكثيرة يعد العشار الأكثر شهرة، حتى إن البصرة اقترن ذكرها على الدوام بشط العرب ونهر العشار، وهذا لا توثقه الجغرافيا فقط، وإنّما القصائد والأغاني كذلك، وأشهرها ربما تلك الأغنية التي تتحدث عن العشار: “أحيا وأموت عالبصرة.. عيوني البصرة.. البصرة بيها العشار.. بيها النخل بيها أشجار.. تحلى بجمال السمرة.. أحيا وأموت عالبصرة”.
ذاع صيت نهر العشار دون غيره من الأنهار، حتى قيل: “إن البصرة أولها العشار وآخرها العشار”؛ لأن النهر يقطع المدينة من شرقها إلى غربها، قبل التوسع العمراني.
إضافة إلى وجود أغلب المؤسسات الحكومية بمختلف صنوفها ومستوياتها في بلدة العشار فيما مضى، حيث يمرّ النهر متجهاً إلى الغرب ليربط بين بلدة العشار وبلدة البصرة، المعروفة اليوم شعبياً بـ”البصرة القديمة”، ليلتقي بعد ذلك عبر قناتين مائيتين متوازيتين تفصل بينهما بضع مئات من الأمتار بنهر الخورة جنوباً، ونهري الخندق والرباط إلى الشمال منه.
نهر العشار هو أيضاً الأكثر عدداً في الجسور والقناطر التي تربط بين ضفتيه، ومنها جسر المقام الذي يربط بين ضفتي النهر بالقرب من ساحة أسد بابل وجامع المقام، وجسر الهنود لعبور المشاة، المعروف شعبياً اليوم بجسر سوق المغايز، وجسر شارع الكويت، وجسري ساحة الفراهيدي، وقنطرة باور هوز لعبور المشاة، وجسر المحاكم، وجسر ساحة عبد الكريم قاسم، وجسري ساحة عتبة بن غزوان، وجسر السيمر، وجسر نظران. إضافة إلى العديد من القناطر التي تربط ضفتي النهر بين محلة الساعي ومحلة العباسية، وبين محلة التحسينية ومحلة السيمر، وبين محلة الجبل ومحلة الشناشيل، وبين محلة نظران ومحلة الباشا.
ساحة أسد بابل المطلة على نهر العشار، ويظهر جامع المقام في الضفة الأخرى من النهر. المصدر: الكاتب.
كان النهر فيما مضى يُعد ممراً مائياً تسلكه الزوارق لنقل الركاب ذهاباً وإياباً بين بلدة العشار وبلدة البصرة، حتى إن تلك الزوارق تُعرف لغاية الساعة بالزوارق العشارية، نسبة إلى نهر العشار، حيث كانت تسير في العهد العثماني على ضوء الفوانيس الزيتية. وقبل تجريف البساتين خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، إثر التوسع العمراني، كانت هذه “الأبلام” تنتشر على ضفتي النهر في المناطق المحصورة بين بلدة العشار وبلدة البصرة، مثل مناطق بريهة والعباسية والساعي والتحسينية.
جامع المقام على نهر العشار. المصدر: الكاتب.
شاع أن نهر العشار قد سمي بهذا الاسم لاجتماع العشارين على صدره لجباية ضريبة العشر، التي كانت تُفرض على السفن المحملة بالبضائع، سواء تلك المارة في شط العرب أو تلك التي ترسو في النهر لتفريغ تلك البضائع. وفي البصرة كانت هناك دائرة للجمارك خلال عهد الاحتلال العثماني، وكانت هناك مخازن كبيرة موجودة على مقربة من نهر العشار، وتحديداً في المنطقة المحصورة بين نهري العشار والخندق، المطلة على الطريق الرابط حالياً بين جسر المقام وجسر الخندق، وكانت تلك المخازن تسمى بالعُشر، ولم يتبقَّ لها اليوم أثر يذكر، حيث أزيلت أواخر سبعينات القرن الماضي، واستُغل موقعها السابق فيما بعد لتشييد مرآب كبير لسيارات نقل الركاب وعديد من المخازن التجارية.
يمثل نهر العشار في ذاكرة البصريين معلماً تاريخياً مهماً يذكرهم بالماضي الجميل، حيث كانت بيوت الأثرياء وبيوت “الشناشيل” التراثية تطل على النهر، إضافة إلى بعض المعالم التاريخية مثل ساعة سورين، قبل أن تُزال مع العديد من المباني والدور التراثية بقرار من متصرف البصرة الأسبق، محمد الحياني، بقصد شق طريق يربط بين بلدة العشار وبلدة البصرة.
ليُصبح مُتاحاً أمام البصريين التجوال على ضفتي نهر العشار قبل ولوجهم إلى كورنيش شط العرب، ليستمتعوا بمشاهدة النهر والنوافير التي كانت تزين ضفافه، أو ليسبحوا فيه صيفاً لغاية أواخر سبعينات القرن الماضي، بعد أن كان التجوال في النهر محصوراً بركوب الزوارق قبل ذلك.
كما كان نهر العشار شرياناً لحياة البصريين الساكنين في مركز المدينة، وخاصة في محلات مقام علي والصالحية والقشلة والساعي والمناطق المجاورة، كونه المغذي لمشروع ماء الإسالة الوحيد، المعروف شعبياً بـ “باور هوز”.
مشروع ماء الإسالة في العشار (باور هوز). المصدر: الكاتب.
في حديثٍ مع الشاعر حبيب السامر، يقول: “إنّ نهر العشار ذاكرة حية، يعني قلّما هناك بصري لا يتذكر هذا النهر الخالد، هذا النهر الذي كان مسرحاً للأعراس ومسرحاً للتسوق ومسرحاً للتجوال في هذا النهر الجميل”.
ويعتقد السامر أنه إذا ما تمت المقارنة بين واقع نهر العشار في الماضي وما هو عليه الآن فإن الكفة ستميل لصالح الماضي على حساب الحاضر، مشدداً على ضرورة إعادة تأهيل وتطوير النهر، من خلال عمليات “كري” النهر، وتنظيفه من الملوثات، وتشذيب أكتافه وتطويرها وزيادة جماليتها، لتعود الحياة إلى نهر العشار.
يبدو أن قَدَر العراقيين بصورة عامة والبصريين بصورة خاصة هو التغني بالماضي الجميل والبكاء على حاضرهم، فنهر العشار لم يعد كما كان سابقاً متنفساً للبصريين ومثاراً للبهجة في نفوسهم، فقد نال منه الخراب ليتحول من شريان للحياة إلى مصدر من مصادر التلوث البيئي في البصرة.
كان لقرار فتح “مذبات” الخطوط الناقلة لمياه المجاري على نهر العشار، ونظرائه من الأنهار في البصرة، إبان الحملة الكبرى لإعادة إعمار البصرة، التي انطلقت بعد أن وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها يوم الثامن من آب 1988، الأثر البالغ في تردي مياه نهر العشار، وتحولها من مياه عذبة إلى مياه آسنة.
اشتدت وطأة التلوث أكثر فأكثر بسبب قلة الإطلاقات المائية التي تصل إلى شط العرب من نهر دجلة عبر ناظم قلعة صالح، فانخفض منسوب نهر العشار، إضافة إلى كثرة التجاوزات على النهر من قبل أصحاب المحلات التجارية والأهالي.
أحد خطوط تصريف مياه المجاري إلى نهر العشار. المصدر: الكاتب.
يقف الحاج فتحي المطوري (78 عاماً) على ضفاف نهر العشار بالقرب من الدور التراثية، مستذكراً الماضي الجميل ومستنكراً الإهمال الحكومي لنهر العشار قائلاً: “هذا التاريخ، هذا الحضارة البصرية، هذا جذورنا التاريخية، هذا هو البصرة، اللي يريد يسأل عن البصرة ويريد يعرف منو البصرة نكَوله هذا نهر العشار هو البصرة”.
وفي حديثه مع جمّار، قال المطوري: “عندما نتذكر البصرة في الزمن الملكي والسنين الأولى من ثورة 1958، في تلك الفترة وما سبقها، ونحچي عن نهر العشار أحد أنهار البصرة الرئيسية، اللي جعلت البصرة فينيسيا الشرق، وأن يتحدث عنها الرحالة والناس اللي تزور البصرة”.
مؤكداً أن ما يميز نهر العشار عن نظرائه من أنهار البصرة هو أنه يخترق مركز محافظة البصرة، مستذكراً ذكريات طفولته مع النهر التي مرَّ عليها اليوم قرابة سبعين عاماً.
“إن أنهار البصرة ومنها نهر العشار كانت مياهها عذبة نقية، وفيها مختلف أنواع الأسماك، وإن وجهاء وأعيان البصرة كانوا يسكنون على ضفاف نهر العشار في مقطعه الغربي، ومنهم آل النقيب، وآل باش أعيان، وآل البسام، وغيرهم”.
أحد البيوت التراثية على ضفاف نهر العشار، التي كان يسكنها وجهاء وأعيان البصرة فيما مضى. المصدر: الكاتب.
شهد نهر العشار محاولات عدة من الجهات الحكومية المعنية لإعادة تأهيله وتطويره بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان 2003، ابتداءً من مشروع ناظم نهر العشار، مروراً بأعمال تثبيت أكتافه بألواح الـ”Sheet Pile” الفولاذية في المقطع الشرقي، ورصف المقطع الوسطي بالحجارة الكلسية، ورصف المقطع الغربي بالطابوق، مع تنفيذ قناطر جديدة وشرفات تطل على النهر، وزراعة أشجار النخيل على ضفافه.
ناظم نهر العشار. المصدر: الكاتب.
لكن حال النهر لم تتغير إلى الأفضل، بسبب سوء التخطيط وعدم وجود متابعة جدية من قبل الدوائر المعنية، إضافة إلى عدم تعاون الأهالي من أصحاب المحلات والمنازل القريبة من النهر، فعلى الرغم من تنفيذ العديد من مشاريع البنى التحتية في مركز مدينة البصرة، ومن ضمنها مشروع الخطوط الناقلة للمياه الثقيلة من مركز المحافظة إلى محطة المعالجة في منطقة حمدان، لكن “مذبات” تصريف مياه المجاري مازالت حتى الساعة تقوم بتصريف تلك المياه إلى نهر العشار في مختلف مقاطعه، لتتحول مياه النهر إلى مياه آسنة.
لقطة لنهر العشار، اليوم، قرب الدور التراثية. المصدر: الكاتب.
المؤلم حقاً اليوم هو غياب الوعي لدى طيف واسع من البصريين، ذلك أنهم وبدلاً من شعورهم بالمسؤولية تجاه أنهار البصرة، والعمل بجد وتفانٍ على المحافظة عليها وعلى نظافتها، صاروا يتخذون منها مكبات للنفايات بمختلف أنواعها، حتى بلغ الأمر أن يهجر النهر محبوه ومريدوه، الذين كانوا يتوافدون إليه أيام العُشر، ليعيش اليوم مأساة الهجر.
https://jummar.media/10620
Share
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0