لماذا يفشل العقل العقائدي في إدارة السياسة؟
لماذا يفشل العقل العقائدي في إدارة السياسة؟
تتحرك أنماط التفكير السياسي في مجتمعاتنا بين نموذجين متمايزين: العقل العقائدي والعقل السياسي. وحين نميز بين هذين العقلين نستطيع أن نفهم أسباب فشل بعض تجاربنا في إدارة الدولة وعلاقاتها الخارجية.
العقل العقائدي يميل إلى النظر إلى الأمور من زاوية نظرية ومجردة، حيث تنقسم القضايا عنده إلى حق وباطل، صواب وخطأ، نور وظلمة، ولا وجود لمناطق وسطى. في هذا الإطار، حين تحصل خلافات من أي نوع كانت فإنها تتحول إلى استقطابات حادة غير قابلة للتسوية، ويغلب عليها الميل إلى الحسم النهائي بدل البحث عن حلول وسط.
في المقابل، العقل السياسي يقارب القضايا بواقعية أعلى. فهو يميّز بين المبادئ النظرية في عالمها المجرد، وبين متطلبات تطبيقها في الواقع، حيث تخضع العملية السياسية لمنطق التوازنات والأولويات وتقدير المصالح. هي بالأحرى إدارة لحفظ المبادئ في حالة التزاحم والوصول إلى أفضل صيغة تضمن توفير أهم المبادئ في تحقيق أجود المصالح وتجنب أكبر عدد من المفاسد. هذا العقل بطبيعته عقل تفاوضي، مرن، خبير بأدق تفاصيل الواقع، ويعتمد بناء التفاهمات والصفقات باعتبارها أدوات ضرورية لإدارة الشأن العام وتقليل الخسائر وتعظيم المكاسب المتاحة.
انطلاقًا من هذا التمييز، يمكن تصنيف الأحزاب والتيارات بحسب تغليبها أحد النمطين على الآخر. من خلال هذا التمييز نستطيع أن نعرف من هو الحزب العقائدي ومن هو الحزب السياسي، وذلك من خلال فهم العقل الذي يقف خلف كل حزب والتربية التي يشيعها بين أوساطه الاجتماعية.
في الحالة الشيعية على وجه الخصوص، تشكّل التربية الدينية إطارًا يغلب عليه التفكير العقائدي، وهو ما يكرّس ثقافة أحادية تواجه صعوبة في التكيّف مع تعقيدات الواقع. ويعود ذلك جزئيًا إلى الدور المركزي لرجال الدين في تشكيل الوعي الجمعي، حيث يقدَّم الدين بوصفه منظارًا تفسيرياً شاملاً يغطي مختلف مجالات الحياة.
في المقابل، خفّضت مجتمعات إسلامية أخرى من حضور المؤسسة الدينية المباشر في إدارة الشأن العام، تاركة مساحة أوسع للسلطة السياسية. أمّا التجارب التي مزجت بين الخطاب العقائدي والسياسة، مثل نماذج الإسلام السياسي (الأخوان المسلمين مثلا)، فقد واجهت تحديات كبيرة، وأظهرت محدودية في قدرتها على التكيّف مع الديناميات الاجتماعية والسياسية الحديثة. وينطبق الأمر بدرجات متفاوتة على الحركات الجهادية التي انتهت تجاربها إلى عزلة مجتمعية وسياسية واسعة.
تُظهر تجارب العقود الأخيرة أن إدارة السياسة بعقلية عقائدية صِرف تؤدي غالبًا إلى توترات مزمنة، خسائر فادحة، وأن رهن القرار السياسي بمرجعيات مذهبية أو فكرية مغلقة يفاقم الأزمات بدل حلّها. ومن هذه الزاوية، تبدو دول الخليج أقل تأثرًا بهذا النمط من التفكير، وأكثر قدرة على تبنّي أدوات التفاوض وإدارة الأزمات وفق منطق التسويات السياسية، مقارنةً بدول خاضت صراعات مريرة تحت تأثير مقاربات عقائدية سواء في التيارات القومية أو الإسلامية كما هو الحال في العراق مصر وسوريا وليبيا والجزائر.
Share
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0