من سومر إلى جسر الزيتون.. كيف تُطفِئ أرضٌ اخترعت الكتابة والعجلة نورَها؟
من سومر إلى جسر الزيتون.. كيف تُطفِئ أرضٌ اخترعت الكتابة والعجلة نورَها؟
د. هشام داود
باحث في الأنثروبولوجيا السياسية/ المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية
2025-12-01
في مطالع التاريخ، حين لم يكن الإنسان قد استقام بعد على صورة المعرفة، كانت سومر تُنبت من طينها ما لا تُنبت أرضٌ سواها. هناك وُلدت الكتابة الأولى؛ لا كتابة الحروف، بل كتابةُ الفكرة ذاتها. كانت العلامة السومرية—لوغوغرافية في أصلها—تُمسك بالشيء قبل اسمه، وبالمعنى قبل صوته، وبالوجود قبل نطقه. إنها اللحظة المؤسسة التي انتقل فيها العقل البشري من سلطان الذاكرة الشفوية إلى سلطة التدوين.
ومع تعاقب العصور، راحت العلامة تتطوّر داخل بنية مدينة تتكثّف، واقتصاد يزداد تعقيداً، فتحوّلت شيئاً فشيئاً إلى كتابة مقطعية صوتية (syllabic) وبذلك انشطر تاريخ الكتابة إلى مسالك متعددة:
– الكتابة السومرية–الأكدية، حيث يغدو المقطع وحدة دلالة،
– الكتابة العيلامية الخطية الوسيطة حوالي الألف الثاني قبل الميلاد والتي فُكّت رموزها حديثاً جدا (عام 2020)،
– فيما بقيت العيلامية القديمة لغزاً ماثلاً على حافة الفهم.
وعلى الضفة الأخرى من الشرق، في أوغاريت، اكتمل لأول مرة نظام أبجدي يمنح كل صوتٍ علامة، ويحرّر اللغة من صورها الثقيلة.
وهكذا تبلورت الحقيقة الكبرى:
سومر أنشأت الكتابة، وأوغاريت أنشأت الحرف؛
والفرق بينهما هو الفرق بين نظامٍ ينظّم العالم، ونظامٍ ينظّم اللغة.
وفي اللحظة ذاتها تقريباً، كانت الأرض تُنجب ابتكاراً آخر لا يقل ثورية: العجلة.
لم تبدأ عجلة سومر بعربة، بل بسطح طاولة دوّارة في بدايات الألف الرابع قبل الميلاد، تُدار باليد أولا ثم بالقدم لاحقا لتسريع صناعة الفخار وتحويله إلى إنتاج شبه صناعي. ومن هذا الحدس التقني، وُلدت الفكرة التي ستغيّر العالم : فصل السطح الدوّار، وتثبيته تحت صندوق، ليُسحب او يدفع باليدن ثم تُجرّه الدواب. هناك، تحوّلت الأداة إلى مفهوم، والمفهوم إلى تقنية للحركة الإنسانية.
وقد شهدت أوروبا الوسطى في الحقبة ذاتها شكلاً أولياً للعجلة، لكنه بدا ظاهرةً معزولةً بلا سياق؛ أما في سومر فقد انصهرت العجلة في نظام المدينة والدولة والتجارة، وصارت جزءاً من البنية الإبستيمية للحضارة.
ومن الوركاء إلى أريدو عبوراً بأور، نهضت المعجزة الثالثة: المدينة.
مدينةٌ لم تكن جدراناً فقط، بل تصميماً جديداً للوجود الإنساني: تنظيم الماء، هندسة القنوات، رسم الأسوار، اختراع البيروقراطية، ولادة المدارس الأولى، والتخصص الأول، والسوق الأول، وتكوّن الطبقات الاجتماعية الأولى، من الكهنة، الى لوكال (الرجل الكبير او الرجل العظيم)، والإداريين انتهاء بالعامة.
ولذلك عاشت مدن سومر وآكد وبابل وآشور أكثر من أربعة آلاف سنة – عُمراً لم تصله أكثر مدن العالم القديم – لأنها لم تُبنَ بالطين وحده، بل بالمعرفة المنظمة.
* *
غير أنّ الأرض ذاتها تُساق اليوم إلى مصيرٍ يقف على النقيض من سيرتها.
كيف يحرق من يعيش على تربة سومر العجلة نفسها التي دشّنت أول خطوة جبّارة في تاريخ البشر؟ كيف تتحوّل الأرض التي شهدت ميلاد المدرسة الأولى إلى فضاءٍ تُنتج فيه الخرافة، وتُغذّى فيه الجهالة، ويُعاد فيه تدوير الزبائنية والكليبتوقراطية ؟ وكيف يغدو القمع قاعدة، حين تستند السلطة إلى المال الطليق وميليشيات الظل، وترى في كل نفسٍ حرّ تهديداً مباشراً لهياكلها المنخورة ؟
وفي هذه الأيام بالذات، تمرّ على ذي قار الذكرى السادسة للياليها الدامية :
مجازر جسر الزيتون، وساحة الحبوبي، والاغتيالات في الأزقة، والاختطافات التي ابتلعت أجساداً ما زالت مجهولة المصير.
مئات بين قتيل وجريح ومغيب، في اختبار كشف الحدود العارية للعلاقة بين المجتمع والقوة.
فالسلطة، حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، لا ترى في الجسد إلا مساحةً لإصدار الأمر، ولا في الصوت إلا احتمالاً للتمرّد.
لم تسأل فرق الموت يومها عن اسم ولا مذهب؛ اغلب من سقط على جسر الزيتون وساحة الحبوبي كان يحمل اسم : كرار وعبد الحسين وحيدر وعلي وعباس… سقطوا جميعاً لأن السلطة لا ترى في الإنسان سوى قابليته على أن ينهض، لا في اسمه الانتمائي. وما يُباع صباحاً بوصفه “طقساً للشهادة” يُمحى مساءً حين يصبح الجسد تهديداً.
* *
بالقرب من زقورة أور، وفي المكان الذي تُنسب إليه دار النبي إبراهيم، يرتفع اليوم سجن الحوت : أعمق فجوة للظلام في أرض كان يُفترض بها أن تكون نوراً. هناك، حيث كان المعبد يرتفع إلى السماء، ترتفع اليوم قبضة تُطبق على الأرواح. والسلطة التي تحكم، لا ترى في التراث سوى زخرف، ولا في الماضي سوى عبء. هي لم تقرأ فوكو، لكنها أتقنت منطقه:
السجن هو قلب الهيمنة حين تغيب الشرعية.
وفي ليل ذي قار، تُسلب الأرض من ذاكرتها مرّة أخرى:
قطع مسمارية تُنتزع من مواقعها، لقى نذرية تُهرّب في الظلام، آثار تختفي كما اختفى أصحابها… كأنّ التاريخ يُنهب من جوف التربة، لا من خزائن المتاحف.
ولم يكن مشهد جسر الزيتون حدثاً عابراً. كان التقاءً بين زمنين: زمنُ كتابة خرجت أول مرة من الطين، وزمنُ دم سال فوق الطين نفسه. وهناك تبلّغ الحقيقة بوضوحها النهائي : الحضارات لا تُمحى بالصدفة، بل حين يجتمع الفساد والجهل والعنف في يد واحدة.
ومع ذلك، رغم ما أصاب ذي قار، تبقى الأرض التي اخترعت الكتابة والعجلة والمدينة والدولة والمدرسة والملحمة والأسطورة أصلب من أن تُدفن. هذه الأرض لا تحتاج إلى بكاء، ولا إلى مجدٍ مُتخيَّل؛ يكفيها أن تُقال حقيقتها، بلا رتوش وبلا خوف.
وفي العمق، يرتفع صدى مرثية دمار أور التي كُتبت قبل أربعة آلاف عام، وكأنها كتبت لجسر الزيتون نفسه :
“المدينة التي كانت ممتلئة بالحبوب،
صار الغبار طعاماً لأهلها.
أور، التي كانت ترفع رأسها نحو السماء،
صارت تبكي كأمٍ فقدت أبناءها.
بيتها المقدس، الذي كان يضيء كالقمر،
صار ظلاماً لا يُرى فيه شيء.”
ليس هذا بكاءً، بل شهادة.
والشهادة، في أرض سومر، ليست وقوفاً على الأطلال،
بل تذكيراً بأنّ التاريخ، مهما طال ظلامه،
ينهض…
إذا نهض أهله.
Share
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0